أحمد بن علي القلقشندي
448
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وهي أرض متّسعة الأرجاء ، مديدة الفضاء ، وهي من أزكى الأراضي دوابّ ، وأمراها مرعى . قال في « مسالك الأبصار » : أخبرني بعض من رآها أنها شبيهة بأطراف الشام وجبال نابلس في منابت أشجارها وكيفية أرضها وما هي عليه ، وأنها لو عمرت بالسكان وتأهلت بالزّرّاع ، كانت إقليما كبيرا يقارب نصف الشأم ، قال : وبها الماشية والسائمة الكثيرة : من الإبل والغنم والخيل ، وخيلها من أقوى الخيل وأصلبها حوافر ، وصورها بين العراب ( 1 ) والبراذين ، وقد جمعت بين حسن العراب وكمال تخاطيطها ، وصلابة البراذين وثباتها على الوعور ، وهي إلى محاسن العراب أقرب ، ولكنها لا تبلغ شأو خيل البحرين والحجاز ؛ وفحولها أنجب من إناثها . قال : وكذلك بها المدن المبنية ، والقصور العلية ، والآثار الدالة على ما كانت عليه من الجلالة . قال ابن سعيد : وهي سلطنة طويلة ، وإن لم يكن لها استقلال لاستيلاء العرب عليها ، وهي إلى إفريقيّة أقرب منها إلى مصر . قال : وكان سريرها في القديم بمدينة ( طبرقة ) ( 2 ) . وذكر صاحب « الروض المعطار » : أن قاعدتها كانت مدينة ( أنطابلس ) ، وقد تقدّم من كلام القضاعيّ في تحديد الديار المصرية في آخر الحدّ الشمالي ما يوافقه . قال في « مسالك الأبصار » : ومن مدنها طلميثا . قلت : والتحقيق أن برقة قسمان : قسم محسوب من الديار المصرية ، وهو ما دون العقبة الكبرى إلى الشرق ، وقسم محسوب من إفريقيّة ، وهو ما فوق العقبة المذكورة إلى الغرب ، وهذه المدن الثلاث مما يلي جهة المغرب ، والقسمان كلاهما اليوم بيد العرب
--> ( 1 ) العراب هي العربية الأصلية ، والبراذين ما كانت قريبة إلى البغال . والخيل العراب خلاف البراذين . والإبل العراب خلاف البخاتي . ( المعجم الوسيط : 591 ) . ( 2 ) طبرقة بين درنة وباجة من البلاد الإفريقية . ( الروض المعطار : 386 ) .